أحمد بن محمد المقري التلمساني
293
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان يزعم أنه أدرك أيام عثمان بن عفان ، رضي اللّه تعالى عنه ، وأنه كان مراهقا ، وكان مع عائشة ، رضي اللّه تعالى عنها ، يوم الجمل ، وأنه شهد صفّين ، وأن خزامة أعتقه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وخرج عن الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة إلى المغرب ، انتهى . قلت : هذا كلّه لا أصل له ، ويرحم اللّه تعالى حافظ الإسلام ابن حجر « 1 » حيث كتب على هذا الكلام ما صورته : هذا هذيان لا أصل له ، ولا يغترّ به ، وكذلك ترجمة أشج العرب اتّفق الحفّاظ على كذبه ، انتهى . قلت : وما هو إلّا من نمط عكراش ، واللّه تعالى يحفظنا من سماع الأباطيل بمنّه . ومن هذه الأكاذيب ما يذكرون عن أبي الحسن علي بن عثمان بن خطاب ، وأنه يعرف بأبي الدنيا ، وأنه كان معمّرا مشهورا بصحبة علي بن أبي طالب ، كرّم اللّه وجهه ، وأنه رأى جماعة من كبار الصحابة ، رضي اللّه تعالى عنهم ، ووصفهم بصفاتهم ، وأنه رأى عائشة ، رضي اللّه تعالى عنها ، فيما زعم ، وقدم قرطبة على المستنصر الحكم بن الناصر وهو ولي عهد ، وسأله أبو بكر بن القوطية عن مغازي علي وكتبها عنه ، وقد ذكره ابن بشكوال وغيره في كتبهم وتواريخهم ، فقد ذكر الثقات العارفون بالفنّ أنه كذّاب دجّال مائن « 2 » جاهل ، فإيّاك والاغترار بمثل ذلك ممّا يوجد في كتب كثير من المؤرّخين بالمشرق والأندلس ، ولا يلتفت إلى قول تميم بن محمد التميمي : إنه كان إذ لقيه ابن ثلاثمائة سنة وخمس سنين ، قال تميم : واتّصلت بنا وفاته ببلده في نحو سنة عشرين وثلاثمائة ، وبالجملة فلا أصل له ، وإنما ذكرناه للتنبيه عليه . وقد عرفت بما ذكرناه التابعين الداخلين الأندلس ، على أن التحقيق أنهم لم يبلغوا ذلك العدد ، وإنما هم نحو خمسة أو أربعة كما ألمعنا به في غير هذا الموضع ، واللّه تعالى أعلم . 13 - ومن الداخلين إلى الأندلس مغيث فاتح قرطبة . وقد تقدّم بعض الكلام عليه ، وذكر ابن حيان والحجاري أنه رومي ، زاد الحجاري : وليس برومي على الحقيقة ، وتصحيح نسبه أنه مغيث بن الحارث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني ، سبي من الروم بالمشرق وهو صغير ، فأدّبه عبد الملك بن مروان مع ولده الوليد ، وأنجب في الولادة ، وصار منه بنو مغيث الذين نجبوا في قرطبة ، وسادوا وعظم بيتهم ،
--> ( 1 ) هو الإمام الحافظ شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 ه ومن أهم مؤلفاته : تهذيب التهذيب ، ولسان الميزان وكلاهما في الرجال ( انظر كشف الظنون 5 / 128 ) . ( 2 ) مائن : اسم فاعل مان بمعنى كذب .